ابراهيم بن محمد البيهقي

252

المحاسن والمساوئ

تطوي عنه النصيحة وتنهى من ينصحه ، يا أمير المؤمنين إنّ هؤلاء اتّخذوك سلّما إلى شهواتهم . قال المنصور : فأصنع ما ذا ؟ ادع لي أصحابك أولّهم ! قال : ادعهم أنت بعمل صالح تحدثه ومر بهذا الخناق فليرفع عن أعناق النّاس واستعمل في اليوم الواحد عمّالا كلّما رابك منهم ريب أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره ، فو اللّه لئن لم تقبل منهم إلّا العدل ليتقرّبنّ به إليك من لا نيّة له فيه . وحدّث محمّد بن عبد اللّه قال : قال المنصور لجعفر بن حنظلة البهراني : عظني . قال فقلت : يا أمير المؤمنين أدركت عمر بن عبد العزيز سنتين لم يتّخذ مالا ولم ينشئ عينا ولم يستخرج أرضا ولم يضع لبنة على لبنة ولا أحصي كم من ولده تحمّل الحمالات وحمل على الخيل ، وولي هشام بن عبد الملك ثماني عشرة سنة ما منها سنة إلّا وهو ينشئ فيها عيونا ويتّخذ فيها أموالا ويقطع لولده القطائع ، ولا أعرف اليوم من ولده رجلا يشبع . فقال : واللّه لقد وعظت وأحسنت . قال جعفر : ففرحت أن نجعت عظتي في أمير المؤمنين . قال : فأطرق ساعة ثمّ قال : يا غلام ادع لي سليمان بن مجالد . فدعاه فقال : يا سليمان علق أصحاب قيليا بأرجلهم حتى يؤدوا ما عليهم . وكان قد جعلها لصالح ابنه ، فعلمت أنّ عظتي لم تنفع قليلا ولا كثيرا . وحدّث محمّد بن عبد اللّه الخراساني قال : حدثني المفضّل الضّبّيّ قال : سمعت المسيّب بن زهير يقول : بينا المنصور يطوف بالبيت وأنا قدّامه إذا رجل مستلم الرّكن فقلت له : تنحّ فقد جاء أمير المؤمنين ، كرّتين أو ثلاثا ، فلم يبرح حتى رمقه المنصور وسمعه وهو يقول : اللهمّ إني أشكو إليك ظهور الجور والبغي والفساد في الأرض وما يحول بين المرء وقلبه من الطمع . فلمّا سمعه قال لي : يا مسيّب عليّ بالرجل . فقلت له : أمّا إذ قد ابتليت بك فأجب . قال : حتى أتمّ طوافي . فلمّا أتمّ طوافه قلت له : أجب الآن فقد فرغت من طوافك ، قال : حتى أصلّي ركعتين . قلت : نعم فصلّ . ركعتين ثمّ أدخلته على المنصور ، فلمّا رآه قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته ! قال : وعليك السلام ، ما هذا الكلام الذي سمعتك تلفّظ به آنفا عند الركن ؟ قال : أو سمعته يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم . قال : هو ذاك ، ألست ابن عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ألست الخليفة ما بقيت غاية إلّا وقد بلغتها ، أتطمع أن تنال ما عند اللّه جلّ وعزّ بما أنت فيه ؟ قال : وفيما أنا ؟ قال : أخبرك بما لا تقدر أن تدفعه . قال : وما هو ؟ قال : عمدت إلى الطين فأوقدت عليه فصيّرت منه الآجرّ ثمّ عمدت إلى الرمل وأوقدت عليه فصيّرت منه الجصّ وصيّرت بعضه فوق فبنيت لك منها الحصون المشيّدة والقصور العالية